يعقوب أو إسرائيل نبي مرسل ويعلمه الله ما يشاء من علم الغيب، والآن إخوة يوسف يريدون أخذ بنيامين أخي يوسف معهم إلى مصر، فإذا بيعقوب يقول: {لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}.
فيعقوب كأنه يعلم أن بنيامين إذا ذهب مع إخوته لا يعود معهم، بل ما يؤكد علمه بذلك استثنائه لحالة عجزهم عن إعادة بنيامين معهم {إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ}، بل إن يعقوب لما عاد إخوة يوسف من غير بنيامين وهم يؤكدون على براءتهم {يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ}.
بل ويوجد من يشهد ببراءتهم {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}، نجده يقول: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}، فيعقوب يؤكد اتهامهم، مع أنهم يؤكدون براءتهم ويوجد شهود على براءتهم في قصة بنيامين.
فماذا أراد يعقوب بقوله: {سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً}؟!!
الحقيقة، إن يعقوب أراد الأمر الأول أمر يوسف ، وكأنه يريد أن يقول هذا الحدث الجديد وهو فقد بنيامين متعلق بفقد يوسف والذي كان وصفه بنفس الوصف {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}، سولت لكم أنفسكم الأمارة والذئب المستعر في أنفسكم ذلك الأمر القديم أمر يوسف ، وأمر بنيامين متعلق بأمر يوسف ، ولذا نجده يكمل قوله : {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}.
ثم ها هو بعد فقده لبنيامين لا نجده يتأوه على بنيامين، بل على يوسف {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ}، ليؤكد أن أمر بنيامين متعلق بيوسف .
إذن، يعقوب كان يعلم بحال يوسف وحال بنيامين معه، ويعلم بالأذى الذي تعرض له يوسف وكونه وحيداً في مصر حمل كلمة الله ودين الله سبحانه، بل لو قرأت هذه الآيات بتمعن لوجدت يعقوب مطلعاً ويعلم الكثير من حال يوسف وبنيامين {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}، فمع أن المفقود هذه المرة بنيامين، تجد يعقوب يقول: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}، {يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ}، وفي النهاية يأمرهم بالبحث عن يوسف {اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ}، وكأن فقد بنيامين فتح باباً ليعود يوسف إلى يعقوب، وكأن يعقوب يعلم هذا، بل هو على يقين {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ}.
المصدر:
الإمام أحمد الحسن كتاب إضاءات من دعوات المرسلين ج 3 ق 2.
مواضيع مشابهة:
لماذا قتل قابيل هابيل (عليه السلام)؟
كيف مس الشيطان نبي الله أيوب (عليه السلام)؟
ماهي الحكمة من دخول نبي الله يوسف (عليه السلام) السجن ؟
إضاءة من إخلاص داوود (عليه السلام)
ماهو سر قميص نبي الله يوسف (عليه السلام) ؟
ماهي العلة التي من أجلها تزوج النبي يوسف (عليه السلام) زليخا ؟
إرسال تعليق